الاثنين، 15 ديسمبر 2008

لم أخطئ طريقى يوما إلى تلك المدينة ، فلم أغيره جيئة أو ذهابا طوال سنين منذ وطنت نفسى أن أزورها كل يوم فى الصباح مرة وأخرى فى المساء فلم تكن بعيدة حيث أسكن وكنت أعرف أين أذهب وما كنت أهوى التنقل كثيرا بين الأمكنة فربما ملتنى نفس الأماكن أكثر مما مللتها .
وذات مساء وأنا فى طريق عودتى من تلك المدينة الكبيرة إذا صديق قديم يستوقفنى ولم أكن أعلم أنه يرتادها مثلى ، لا بل إنه يكاد يكون من ساكنيها فما أكثر الوقت الذى يمضيه فيها ، وأخذنى صديقى إلى بستان ما رأيته من قبل ، وتركنى الصديق وهو يعلم أنى لن أغادر البستان فقد بهرنى مذ دخلته فما مررت على مثله من قبل .
أودية وأنهار وأشجار وأزهار وفيه من كل العيون وكل الثمار والسمار ، هناك عرفتها وكانت يانعة خضراء أوراقها تغطى كل الغصون وظلها للجميع وارف وخيرها عميم ، وفيها أطيب الثمر ينال منه كل قريب من غير مَـنّ منها ولا أذى ، وبينما الربيع فى زهوته أصابها إعصار كادت معه تـُجتث الجذور لولا طيب البذرة وحنين الأرض ، وظلت تصارع الأيام شجرةً ظنت نفسها عقيما ويزرع الحزن فيها ظنها أن لا فائدة فيها ولا خير منها وكاد الحزن والأسى يقتلانها وهى ترى حولها الأشجار وقد أورقت وبانت أزاهيرها ، وكل يوم كنت أمر عليها حائرا لا أعلم لها لغة أو لسانا تفهم عنه ويشغل بالى حالها ويعجز عقلى فهم ما بها .
وذات صباح وفجأة رأيت اخضرار العود فيها وروحا جديدة تسرى فى الغصون وبسمات الأوراق تملؤها نضارة من جديد ، كدت أفرح لولا أن رأيت الماء الذى ترتوى منه ، وا أسفى عليها ، لم يكن ذلك الماء من نفس النهر الذى يسقى البستان كله ، لكن أين نبعه ، لا يبين له فى الأفق أثر ، ولا ينبئ عنه صريحا خبر ، رباه من أين هذا الماء قد ظهر ، ماء على أى حال هو ماء أورق فيها الغصون وأعاد إليها نضارتها والحياة ، ربما فرحت بلباسها الجديد وأعجبها فرح الحياة بها ولفيف الناس من حولها ، ربما ، نعم ربما ، وربما كان الغد بانتظارها ينعم منها كما كان بحلو الثمر ، ويغازلها فى المساء ضوء القمر ، ربما ، ولا زلت أفتش عن لغةٍ للشجر ؛ حتى لا يفتك بى قلق الانتظار .

ليست هناك تعليقات: